بين طي الفصل و عبق البداية
خوارزمية الروح النقية
يقال إن لكل كتابٍ نقرأه صفحةً أخيرة نطويه عندها، وأن لكل بداية نهاية، وقد تكون تلك النهاية مجرد عتبةٍ تمهد لبداية كتاب جديد.
لا أدري أيهما جاء بي الليلة لأخطّ هذه الحروف؛ هل هي الرغبة في البداية أم ثِقل النهاية؟ لكنني أعلم يقيناً أن وجداني لم يتبدل؛ بل هو نفسه دائماً في تلك اللحظة التي تسبق نهاية أي فصل. فصلٌ علمني الكثير عن الحياة، وعمّن حولي، فصلٌ بدأتُ فيه أرسخ أولى خطوات حلمي، وأتعرف فيه على ذاتي أكثر.
جاءت هذه اللحظة غريبةً بقدر ما كانت مألوفة، ربما لأن الأقنعة سقطت أخيراً، وظهرت الحقيقة المُرّة: أن البعيد قد يصلح ليكون أقرب من القريب، وأن القريب قد يصبح أبعد مما نتخيل. لقد علمتني الأيام المتلاحقة أن المسافات لا تُقاس بالكيلومترات، بل بنقاء النوايا والقدرة على منح الأمان دون شروط أو أثمان خفية.
عشتُ خلال هذا الفصل مشاعراً متفاوتة ومتناقضة، ترجمتُها هنا، في مدونتي التي بدأتُ الوقوع في حبها. ومعها، ومعكم، أدركتُ أن التجربة ما هي إلا صوت الكون يهمس في دواخلنا، ينتظر منا أن نستمع إليه، لنخطّ بين صفحات الحياة لا مجرد دروسٍ عابرة، بل خوارزميةً دقيقة تسير عليها الدنيا.
اليوم، وأنا أحزم أمتعتي وأنتقل مكانياً وروحيّاً، أدركتُ أنه مهما بدا الفصل الذي نعيشه طويلاً، مثقلاً ومتعباً، فإنه ينتهي.. سيُطوى حتماً، وتبدأ معه فرصة جديدة للقاء آخر، إن لم يكن الآن فغداً. الأشياء التي ظننا يوماً أنها ستحاصرنا إلى الأبد، تتلاشى بمجرد أن نتخذ خطوة حقيقية نحو أنفسنا.
حتى تلك اللحظات الصامتة التي نستلقي فيها وننظر مطولاً إلى السقف في العتمة، متسائلين: هل ما نفعله صح أم خطأ؟ هل نحن تائهون أم أننا على يقين؟ حتى هذا القلق ليس إلا علامة على أننا أحياء، نرفض الركود، ونبحث عن مكاننا الحقيقي تحت الشمس.
ربما أثقلتني كل هذه التساؤلات، لكنني الآن، وفي هذه اللحظة بالذات، وجدتُ روحي التي ضاعت يوماً وسط الركام؛ وجدتها في عبق النسيم، وفي قطرات المطر الباردة التي تغسل غبار الأيام الماضية. وحتى وأنا أجلس بمفردي في زاويتي الجديدة، أتناول وجبة عشاء مفضلة مع حلقة من مسلسلي الكوري، أشعر برضا غريب. يبقى في داخلي ذلك الإحساس الدافئ بالحنين، وتبقى تلك الرغبة العارمة في الحياة نابضةً، حرةً، ولا تتزحزح...

